فخر الدين الرازي
11
شرح عيون الحكمة
فان قيل انكم ذكرتم في تفسير الحلول : كون كل واحد منهما بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر تحقيقا أو تقديرا ، فما الفائدة في قولكم : تحقيقا أو تقديرا ؟ قلنا : الإشارة إلى أحدهما اما أن تكون عين الإشارة إلى الآخر ، إذا كان كل واحد منهما مشارا اليه في نفسه بحسب الحسن . وذلك مثل الجسم الذي حل فيه اللون . فان الجسم مشار اليه بحسب الحس واللون أيضا كذلك . فلا جرم كانت الإشارة الحسية إلى الجسم عين الإشارة إلى اللون . أما الذي لا يكون كذلك - أعنى : أن لا يكون المحل والحال مشارا اليه بحسب الحس - فان الذي ذكرناه لا يجرى فيه ، الا بحسب التقدير . وتقريره : أن الذي لا يكون كل واحد منهما مشارا اليه بحسب الحس . اما أن يكون لأجل أن أحدهما ليس كذلك ، أو لأجل أنه ليس ولا واحد منهما كذلك . أما القسم الأول : فهو على وجهين : لأنه اما أن يكون المحل مشارا اليه ، والحال لا يكون كذلك . واما أن يكون الحال مشارا اليه ، والمحل لا يكون كذلك . أما القسم الأول . فهو حاصل في الوجود . فان الجسم موجود مشارا اليه بحسب الحس . والصوت القائم به لا يمكن أن يشار اليه بحسب الحس . فهنا الإشارة إلى الجسم عين الإشارة إلى الصوت تقديرا لا تحقيقا بمعنى أنه لو كان الصوت مشارا اليه بحسب الحس ، لكانت الإشارة إلى الجسم عين الإشارة إلى الصوت القائم به . وأما الثاني : وهو أن يكون الحال مشارا اليه فهذا عندي ممتنع ، الا أن الفلاسفة يثبتون ذلك ، لأن عندهم الحجمية والمقدار أمر مشار اليه بحسب الذات ، ثم إنه حال في الهيولى ، مع أن الهيولى ليس لها في ذاتها وضع ، ولا إليها إشارة . وبرهان بطلانه : انما يظهر عند ابطال القول بالهيولى . وأما القسم الثاني - وهو الشيئان اللذان لا يكون لواحد منهما وضع ولا إشارة ، مع أنه يكون أحدهما حالا في الآخر - فهذا كما تقوله في النفس